في ورشات حي تشنغهاي بمدينة شانتو، المعروفة منذ زمن طويل باسم "عاصمة الألعاب والهدايا في الصين"، تشهد البلاد ثورة هادئة. فقد باتت أصوات آلات حقن البلاستيك تُسمع الآن مصحوبة بأزيز الخوادم وأصوات الروبوتات التفاعلية الهادئة والودية. هذا المركز الصناعي العريق، الذي ينتج ما يقارب 33% من ألعاب العالم البلاستيكية، يستفيد من الذكاء الاصطناعي ونماذج اللغة الضخمة ليتحول من كونه "مصنع العالم" إلى معيار عالمي للإبداع الذكي.
هذا التحول منهجي ومدعوم بتحالفات قوية. في يونيو 2025، دخلت حكومة المقاطعة في شراكة مع شركة بايدو سمارت كلاود العملاقة للتكنولوجيا لاستضافة
مؤتمر الابتكار والتطوير في صناعة ألعاب الذكاء الاصطناعي، الذي جمع موردي الذكاء الاصطناعي العالميين ومبتكري الملكية الفكرية والمصنعين تحت شعار "تعزيز الزخم، وتجاوز حدود الذكاء الاصطناعي". وتلا ذلك مباشرةً في يوليو/تموز اتفاقية تعاون استراتيجي مع شركة SenseTime، الرائدة الأخرى في مجال الذكاء الاصطناعي، لبناء أول قاعدة صناعية في البلاد تجمع بين الذكاء الاصطناعي والألعاب. وتُعد هذه الخطوات أساسية لاستراتيجية تشنغهاي في دمج "الذكاء الاصطناعي + الأناقة الصينية"، باستخدام التكنولوجيا لإطلاق موجة جديدة من الألعاب الذكية ذات الطابع الثقافي.
من خطوط التجميع إلى محركات الذكاء الاصطناعي: جوهر التحول
يتجاوز هذا التحول مجرد وضع شريحة نطق داخل دمية. تستخدم الشركات في تشنغهاي نماذج ذكاء اصطناعي ضخمة لابتكار ألعاب تتمتع بذكاء عاطفي ووظائف إدراكية متقدمة. على سبيل المثال، توفر خدمة بايدو السحابية الذكية نظام "دماغ" مزدوج: أحدهما للمهام المنطقية مثل التدريس وحل المشكلات، والآخر، قائم على الحوسبة العاطفية، للتعرف على المشاعر والتفاعل كرفيق.
أطلقت شركة شيفنغ كالتشر، وهي شركة تصنيع محلية، منتجات مثل "النجمة السحرية الذكية"، التي تُحوّل أي لعبة قطيفة إلى جهاز ذكي، و"أرنب فيفي الذكي"، الذي يستطيع استشعار مزاج الطفل وتقديم الدعم له أو مشاركته فرحته. كما طوّرت شركة ويلي للتكنولوجيا الذكية سيارة تعمل بجهاز تحكم عن بُعد، مزودة بنموذج كبير، قادرة على أداء وظائف مثل مراقبة الأطفال وأمن المنازل. وقد أثرت هذه القفزة التكنولوجية بشكل مباشر على الأرباح. فبعد دمج النماذج الكبيرة، أفاد أحد المديرين التنفيذيين في شركة ألعاب بتسريع دورات البحث والتطوير وطرح المنتجات في السوق بشكل ملحوظ، مع ارتفاع كبير في طلبات ألعاب الذكاء الاصطناعي، وامتلاء جداول الإنتاج حتى مارس 2026.
التصنيع الذكي: العمود الفقري الخفي
تُحدث هذه الثورة نقلة نوعية في المصانع. وتقود شركة شانتو غاوديسي للتكنولوجيا الدقيقة مسيرة التصنيع الذكي، فهي مصنع يعمل بنظام "التشغيل الآلي الكامل" حيث يُحسّن الذكاء الاصطناعي كل شيء بدءًا من التصميم وحتى التغليف. ففي مجال التصميم، يُولّد نظام مدعوم بالذكاء الاصطناعي نماذج أولية لتجميع قطع الطوب بناءً على مدخلات المصمم، مما يُعزز الكفاءة. أما في خط الإنتاج، فتُؤتمت مستشعرات إنترنت الأشياء وأنظمة الفرز المطورة ذاتيًا والمدعومة بالذكاء الاصطناعي عملية التغليف الدقيق لعدد لا يُحصى من قطع الطوب الصغيرة، وهي مهمة كانت عُرضة للخطأ في السابق. وقد انتشر هذا التحول الرقمي على نطاق واسع، حيث أكملت 182 شركة من شركات تصنيع الألعاب ذات الحجم المُحدد في تشنغهاي عمليات التحديث الرقمي بحلول الربع الأول من عام 2025.
الثقافة تلتقي بالبرمجة: ميزة "الذكاء الاصطناعي + غوتشاو"
تتميز استراتيجية شركة تشنغهاي بمزجها الفريد بين أحدث التقنيات وسرد القصص الثقافية. ويهدف هذا الدمج بين الذكاء الاصطناعي وفن "غوتشاو" إلى ابتكار منتجات مميزة ذات جاذبية عالمية. ومن أبرز الأمثلة على ذلك تطوير شركة "تشينيو تكنولوجي" لروبوتات "ينغغي" الراقصة. يستخدم هذا المشروع مشاركة بيانات الحركة عبر الحوسبة السحابية لتحويل الألعاب إلى أدوات ديناميكية لنقل التراث الثقافي غير المادي، مما يسمح للروبوتات بأداء الرقصات الشعبية الصينية التقليدية في جميع أنحاء العالم. ويتماشى هذا النهج مع أهداف سياسية أوسع نطاقًا لتشجيع الملكية الفكرية الأصلية ودمج عناصر ثقافية متنوعة، من صور المدن إلى مقتنيات المتاحف، في ابتكار ألعاب الذكاء الاصطناعي.
مواجهة التحديات على طريق مستقبل بقيمة 100 مليار يوان
الطموح واضح: إنشاء مجمع صناعي إبداعي للألعاب بقيمة ملياري يوان. وتشير تقديرات المقاطعة إلى أن التحول القائم على الذكاء الاصطناعي قد يُضيف قيمة تزيد عن 100 مليار يوان إلى صناعة الألعاب في قوانغدونغ. والتقدم ملموس، حيث ارتفعت صادرات الألعاب المُصنّعة بالذكاء الاصطناعي من كبرى شركات تشنغهاي من أقل من 10% إلى حوالي 30% من إجمالي صادراتها.
مع ذلك، يواجه الطريق أمام هذا القطاع تحديات جمة. فهو يعتمد على شركاء تقنيين خارجيين، ويعاني من نقص في الكفاءات متعددة التخصصات، فضلاً عن مخاوف المستهلكين بشأن أمن البيانات وخصوصيتها. واستجابةً لذلك، تركز السلطات على بناء منصات للخدمات العامة، ووضع معايير صناعية، وتعزيز بيئة ابتكارية متكاملة تتيح لشركات تصنيع الألعاب وشركات الذكاء الاصطناعي التعاون بسلاسة.
إن القصة التي تتكشف في تشنغهاي هي صورة مصغرة للتحديث الأوسع لـ "صنع في الصين". من خلال تسخير الذكاء الاصطناعي والتصنيع الذكي والابتكار الثقافي، فإن عاصمة الألعاب التقليدية هذه لا تكتفي بالبقاء على قيد الحياة في المستقبل فحسب، بل تبنيه بنشاط، روبوتًا ذكيًا وواعيًا عاطفيًا في كل مرة.
تاريخ النشر: 31 ديسمبر 2025